ليلى حدادVIEW PROFILE →
السعودية تتجه نحو ويب ثري: نيوم وأنيموكا براندز يقودان طفرة البلوك تشين والألعاب الرقمية
تمضي المملكة العربية السعودية بخطى ثابتة نحو تبني تقنيات ويب ثري والبلوك تشين، في إطار طموحاتها للتحول الرقمي. تستثمر نيوم في شركة أنيموكا براندز، وتتعاون مع مؤسسات محلية لإنشاء مراكز متخصصة، بينما يظهر المجتمع السعودي وعيا متزايدا بالعملات المشفرة والأصول الرقمية.
تشهد المملكة العربية السعودية في عام 2026 تحولا لافتا في نظرتها إلى التقنيات الرقمية الحديثة، وعلى رأسها تقنيات ويب ثري والبلوك تشين. فبعيدا عن النقاش المتعلق بتنظيم العملات المشفرة، بدأت المملكة تتبنى بشكل متزايد التطبيقات العملية لهذه التقنيات، من الألعاب الرقمية إلى المراكز المتخصصة، في إطار رؤيتها الطموحة للتحول الرقمي وتنويع مصادر الاقتصاد.
نيوم وشركة أنيموكا براندز
يبرز مشروع نيوم كأحد أهم المحركات لهذا التوجه الجديد. فقد أعلن صندوق نيوم الاستثماري عن مقترح لاستثمار خمسين مليون دولار في شركة أنيموكا براندز، وهي من أبرز الشركات العالمية المتخصصة في مجال ويب ثري والألعاب القائمة على البلوك تشين. ويمثل هذا الاستثمار خطوة استراتيجية نحو بناء قدرات محلية في هذا القطاع الواعد.
ولم تقتصر العلاقة بين الطرفين على الاستثمار المالي فحسب، بل تعدت ذلك إلى تعاون أعمق. فقد وقعت شركة نيوم مذكرة تفاهم مع أنيموكا براندز بهدف إنشاء مركز متخصص في تقنيات ويب ثري داخل مدينة نيوم نفسها. ويعكس هذا التعاون رغبة المملكة في أن تصبح مركزا إقليميا رائدا في مجال التقنيات اللامركزية والاقتصاد الرقمي الجديد.
استثمارات صندوق الاستثمارات العامة
لا يقتصر الاهتمام السعودي بهذا القطاع على مشروع نيوم وحده، بل يمتد ليشمل صندوق الاستثمارات العامة، وهو أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم. فقد عزز الصندوق استثماراته في شركة إن سي سوفت الكورية الجنوبية، وهي شركة متخصصة في مجال الألعاب القائمة على البلوك تشين والرموز غير القابلة للاستبدال المعروفة باسم إن إف تي.
تعكس هذه الاستثمارات استراتيجية واضحة تقوم على الدخول إلى قطاع الألعاب الرقمية من بوابته العالمية. فبدلا من الانطلاق من الصفر، تختار المملكة الشراكة مع لاعبين دوليين راسخين، ما يتيح لها اكتساب الخبرة والتقنية بسرعة أكبر. وتعتبر الألعاب القائمة على البلوك تشين من أسرع المجالات نموا في اقتصاد ويب ثري على مستوى العالم اليوم.
مركز ويب ثري في الرياض

تلعب العاصمة الرياض أيضا دورا محوريا في هذا التحول. فقد دخلت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية في شراكة مع ذراع أنيموكا براندز المعروفة باسم ذا غراج، وذلك بهدف إنشاء مركز مادي متخصص في تقنيات ويب ثري داخل الرياض. ويهدف هذا المركز إلى احتضان المطورين والمبتكرين وتوفير بيئة محفزة لنمو المشاريع الناشئة في هذا المجال.
يمثل إنشاء مثل هذه المراكز خطوة مهمة نحو بناء منظومة متكاملة تدعم رواد الأعمال والمواهب المحلية. فوجود مساحة فعلية مخصصة لتقنيات ويب ثري يسهم في تبادل المعرفة والخبرات، ويشجع على التعاون بين مختلف الأطراف. كما يعكس هذا التوجه إدراك المملكة لأهمية الاستثمار في البنية التحتية البشرية إلى جانب البنية التحتية التقنية.
الوعي المجتمعي وتطبيقات البلوك تشين
على المستوى المجتمعي، تشير الدراسات إلى وجود وعي متزايد بالعملات المشفرة بين السعوديين. فوفقا لاستطلاع أجرته مؤسسة يوغوف في ديسمبر عام 2023، فإن 77 بالمئة من السعوديين على دراية بالعملات المشفرة. كما أشار نحو 49 بالمئة منهم إلى أن سهولة الوصول تمثل أحد الدوافع الرئيسية التي تجعلهم يفكرون في الاستثمار في هذا المجال.
وفيما يتعلق بالوضع القانوني، تجدر الإشارة إلى أنه لا توجد حاليا عقوبات قانونية مفروضة على تداول الأصول الرقمية مثل العملات المشفرة أو الرموز غير القابلة للاستبدال. هذا الواقع يمنح الأفراد مساحة للتعامل مع هذه الأصول، حتى في ظل غياب إطار تنظيمي كامل، ويترك الباب مفتوحا أمام مزيد من التطور في المستقبل القريب.
وتتنوع تطبيقات تقنية البلوك تشين في المملكة لتشمل مجالات مبتكرة. فعلى سبيل المثال، ظهرت مجموعات من الرموز غير القابلة للاستبدال التي تجسد معالم مكة المكرمة والمدينة المنورة، وأصبحت متاحة على منصات عالمية مثل أوبن سي. وتعكس هذه المبادرات كيف يمكن للتقنيات الحديثة أن تتداخل مع الهوية الثقافية والدينية بطرق جديدة وغير مسبوقة.
كما امتد استخدام تقنية البلوك تشين ليشمل قطاعات صناعية كبرى في المملكة. فقد طورت شركة أرامكو السعودية، وهي إحدى أكبر شركات الطاقة في العالم، نظاما لإدارة سلاسل الإمداد يعتمد على تقنية البلوك تشين. ويوضح هذا المثال أن تبني هذه التقنية لا يقتصر على المضاربة أو الألعاب، بل يشمل أيضا تحسين كفاءة العمليات الصناعية الكبرى.
تشير كل هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن المملكة تنظر إلى تقنيات ويب ثري والبلوك تشين باعتبارها جزءا من مستقبلها الاقتصادي وليست مجرد ظاهرة عابرة. فمن الاستثمارات الضخمة إلى المراكز المتخصصة والتطبيقات الصناعية، تتشكل صورة لدولة تسعى إلى أن تكون في طليعة الدول التي تتبنى الاقتصاد الرقمي اللامركزي في المنطقة والعالم.
في الخلاصة، يبدو أن السعودية تخطو بحذر ولكن بثبات نحو عالم ويب ثري، موازنة بين الطموح التقني والاعتبارات التنظيمية. فبينما تستمر النقاشات حول الإطار القانوني للعملات المشفرة، تمضي المملكة قدما في بناء الشراكات والمراكز والتطبيقات العملية. وستحدد السنوات المقبلة مدى نجاح هذا التوجه في تحويل المملكة إلى مركز إقليمي رائد في هذا المجال المتطور.





