ليلى حدادVIEW PROFILE →
العملات الرقمية في السعودية 2026: حظر رسمي مقابل استثمار متزايد في تقنية البلوك تشين
تعيش المملكة العربية السعودية حالة من الازدواجية في التعامل مع العملات الرقمية عام 2026، إذ يحذر البنك المركزي من التداول بها بينما تضخ الدولة استثمارات كبيرة في البنية التحتية للبلوك تشين وتختبر عملتها الرقمية الخاصة، وسط أرقام لافتة عن انتشار التبني.
تعيش المملكة العربية السعودية عام 2026 حالة فريدة من الازدواجية في التعامل مع العملات الرقمية. فمن جهة، تتبنى السلطات الرسمية موقفا متحفظا وحذرا تجاه العملات المشفرة مثل البيتكوين، ومن جهة أخرى تضخ الدولة مليارات الدولارات في تطوير البنية التحتية لتقنية البلوك تشين. هذا التناقض الظاهري يعكس رؤية استراتيجية أعمق تجاه مستقبل المال الرقمي.
الوضع القانوني للعملات المشفرة
من الناحية القانونية، تظل العملات الرقمية غير قانونية في المملكة حتى عام 2026. ويعود هذا الموقف إلى عام 2018، حين أعلنت لجنة حكومية أن العملات الافتراضية غير مشروعة، ولم يتم ترخيص أي جهة لممارسة الأنشطة المرتبطة بها. ويستند هذا التوجه إلى غياب الرقابة من أي سلطة مالية شرعية معترف بها في البلاد.
وقد أصدر البنك المركزي السعودي المعروف باسم ساما تحذيرات متكررة من التعامل بعملة البيتكوين، مشيرا إلى افتقارها للإشراف التنظيمي. كما حذرت هيئة السوق المالية من مخاطر هذه الأصول، بينما أكدت وزارة المالية منذ عام 2019 أن العملات المشفرة غير معترف بها من قبل الجهات القانونية، محذرة المواطنين من الانخراط في تداولها.
ورغم هذا الحظر، لا يمنع الإطار الحالي البنوك من التعامل مع العملات الرقمية بشكل مطلق، لكنه يشترط الحصول على إذن خاص لتسهيل مثل هذه المعاملات. وتشير التقارير إلى أن عملية الموافقة على هذه الأنشطة قد تستغرق نحو تسعة أشهر، وهو ما يعكس درجة التشدد والحذر التي تتعامل بها الجهات الرقابية مع هذا القطاع الناشئ.
انتشار التبني رغم الحظر

على الرغم من الموقف الرسمي المتحفظ، تكشف الأرقام عن واقع مختلف على أرض الواقع. فوفقا للتقارير، يمتلك نحو 11.4 بالمئة من السعوديين عملات رقمية، أي ما يقارب أربعة ملايين شخص. وقد شهد حجم المعاملات نموا كبيرا بلغ 153 بالمئة على أساس سنوي في الفترة التي سبقت عام 2024، وهو مؤشر واضح على تزايد الاهتمام.
أما من حيث القيمة السوقية، فقد بلغت قيمة سوق الأصول الرقمية في المملكة نحو 23.1 مليار دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن ترتفع لتصل إلى ما يقارب 46 مليار دولار بحلول عام 2033. وتشير التقديرات إلى أن هذا النمو مدفوع بشكل أساسي بنشاط الشركات والاستثمار المؤسسي أكثر من التداول الفردي العابر.
وفي مجال التعدين، باتت المملكة تستحوذ على ما يقارب أربعة بالمئة من القدرة العالمية لتعدين العملات المشفرة، بعد أن كانت حصتها أقل من واحد بالمئة في عام 2020. كما ساهمت أساليب التعدين الأخضر الحديثة في خفض البصمة الكربونية بنسبة تصل إلى 35 بالمئة مقارنة بالطرق التقليدية القديمة، بما يتوافق مع التوجهات البيئية.
مشاريع العملة الرقمية للبنك المركزي
في موازاة موقفها الحذر من العملات المشفرة العامة، تمضي المملكة قدما في مشاريع طموحة للعملات الرقمية للبنوك المركزية. ومن أبرز هذه المبادرات مشروع عابر، وهو مبادرة مشتركة أطلقت عام 2019 بالتعاون مع دولة الإمارات العربية المتحدة، بهدف إنشاء نظام آمن وسريع وشفاف للمدفوعات العابرة للحدود بين البلدين الشقيقين.
كما انضمت السعودية إلى مشروع إم بريدج، وهو منصة متعددة الأطراف للعملات الرقمية للبنوك المركزية تضم إلى جانب المملكة كلا من الإمارات والصين وتايلاند وهونغ كونغ. ويتيح هذا المشروع إجراء المدفوعات عبر الحدود باستخدام نسخ رقمية من العملات الوطنية، مما يعزز كفاءة التحويلات المالية الدولية ويقلل من تكاليفها.
وتشير التوقعات إلى أن إطلاق التجربة الرسمية للعملة الرقمية للبنك المركزي قد يتم في أواخر عام 2026 أو أوائل عام 2027. وتندرج هذه الجهود ضمن رؤية المملكة 2030، الاستراتيجية الاقتصادية الشاملة التي تسعى إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، مع دمج تقنيات البلوك تشين في البنية التحتية المالية للدولة.
الإطار الضريبي ونظرة إلى المستقبل
فيما يتعلق بالجانب الضريبي، يختلف التعامل بين الأفراد والشركات بشكل واضح. فالمستثمرون الأفراد لا يخضعون حاليا لأي ضريبة على الأرباح الرأسمالية، بينما يخضع المتداولون المحترفون والشركات لضريبة دخل على الشركات بنسبة 20 بالمئة، وضريبة على الأرباح الرأسمالية بنسبة 15 بالمئة، إضافة إلى الزكاة بنسبة 2.5 بالمئة، وهو ما يوضح الفارق في المعاملة.
في المحصلة، تجسد التجربة السعودية نموذجا للتوازن الدقيق بين الحذر التنظيمي والطموح التقني. فبينما تحمي السلطات المواطنين من مخاطر المضاربة غير المنظمة، تبني الدولة في الوقت نفسه أسسا متينة للاقتصاد الرقمي المستقبلي. ومع اقتراب إطلاق العملة الرقمية الرسمية، يبدو أن المملكة تستعد لمرحلة جديدة تعيد فيها تعريف علاقتها بالمال الرقمي.





