ليلى حدادVIEW PROFILE →
بين الحذر والابتكار: كيف تتبنى السعودية تقنية البلوك تشين والعملة الرقمية في 2026
تعيش السعودية عام 2026 مفارقة لافتة: حذر رسمي من تداول العملات الافتراضية للأفراد، مقابل تبنٍّ مؤسسي متسارع للبلوك تشين عبر مشروع عابر وإم بريدج والعملة الرقمية للبنك المركزي. قراءة متزنة.
بصفتي متابعاً لأسواق العملات الرقمية منذ سنوات، تعلمت أن أنظر إلى ما هو أعمق من التداول اليومي وأبحث عن التحولات البنيوية طويلة الأمد. ما يجري في المملكة العربية السعودية في عام 2026 ينتمي بوضوح إلى هذا النوع من التحولات. فالقصة ليست في صعود عملة أو هبوطها، بل في مفارقة لافتة بين موقف حذر من التداول الفردي وتبنٍّ مؤسسي متسارع لتقنية البلوك تشين.
موقف حذر من التداول
لنبدأ من الصورة الرسمية. أعلنت جهات رقابية، من بينها مؤسسة النقد العربي السعودي، أن العملات الافتراضية غير قانونية للأفراد والكيانات داخل المملكة، مؤكدةً أنه لا يوجد أي طرف مرخص لممارسة هذا النشاط. هذا الموقف الحذر تجاه التداول الفردي واضح ومباشر، لكنه لا يعني على الإطلاق أن الدولة تدير ظهرها للتقنية نفسها، بل العكس تماماً كما سنرى.
احتضان تقنية البلوك تشين
على المستوى المؤسسي، الصورة مختلفة تماماً. منذ عام 2019 انخرطت المملكة في مشروع عابر، وهو عملة رقمية مشتركة مع دولة الإمارات. اكتمل المشروع عام 2020 وأثبت الجدوى التقنية لعملة رقمية بالجملة مزدوجة الإصدار، تُستخدم في التسويات العابرة للحدود عبر تقنية السجلات الموزعة. هذا يوضح أن الرفض كان موجهاً للمضاربة الفردية لا للتقنية بحد ذاتها.
نحو عملة رقمية للبنك المركزي
الخطوة التالية أكثر طموحاً. تختبر مؤسسة النقد حالياً عملة رقمية للبنك المركزي، وتشير تقارير القطاع إلى أن برنامجاً تجريبياً للاستخدام المحلي قد ينطلق بين أواخر 2026 وعام 2027. كما انضمت المملكة إلى مشروع إم بريدج، وهو مبادرة تضم الإمارات والصين وتايلاند وهونغ كونغ، وتتيح المدفوعات العابرة للحدود باستخدام نسخ رقمية من العملات الوطنية.
تنظيم وتعدين
يمتد هذا التوجه إلى جوانب أخرى. فقد تحوّل المشهد التنظيمي للويب الثالث والأصول الرقمية خلال العامين الماضيين من غموض إلى واحدة من أكثر البيئات تنظيماً وترحيباً في المنطقة، مع تعيين مسؤول مختص بالأصول الافتراضية عام 2022. حتى التعدين نال اعترافاً قانونياً ضمن أطر محددة، خصوصاً عند استخدام الطاقة المتجددة، وتستضيف المملكة اليوم نحو أربعة بالمئة من قدرة التعدين العالمية.
قراءتي المتزنة
مع كل هذا الزخم، أحرص على تجنب المبالغة. الفجوة بين الحذر تجاه الأفراد والحماس المؤسسي قد تربك المستخدم العادي، كما أن البرامج التجريبية لا تتحول دائماً إلى أنظمة جاهزة بالسرعة المعلنة. لكن الاتجاه العام يبدو لي مدروساً: المملكة تبني بنية تحتية رقمية متينة بخطى محسوبة بدل الاندفاع. الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة هذه المشاريع على الانتقال من التجربة إلى واقع يومي فعلي.






