ليلى حدادVIEW PROFILE →
الريال الرقمي في الأفق: كيف تسير السعودية بحذر في عالم العملات المشفرة
بينما تتبنى السعودية موقفاً حذراً تجاه العملات المشفرة الخاصة، فإنها تمضي بخطى ثابتة نحو إطلاق عملتها الرقمية الرسمية. البنك المركزي يقود مشاريع رائدة لتحديث النظام المالي في المملكة.
في الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم أجمع نحو تبني تقنيات العملات الرقمية، تسلك المملكة العربية السعودية طريقاً خاصاً بها، يتسم بالحذر الشديد من جهة، وبالطموح الكبير من جهة أخرى. فالمملكة لا ترفض المستقبل الرقمي، بل تسعى بكل جدية إلى تشكيله وفق رؤيتها الخاصة.
هذا النهج المزدوج يعكس في حقيقته فلسفة واضحة المعالم لدى صناع القرار في البلاد. فبينما يوجد تحفظ شديد تجاه العملات المشفرة الخاصة وغير الخاضعة للرقابة، هناك في المقابل انفتاح واسع على تقنيات المال الرقمي التي تخضع لإشراف الدولة ورقابتها المباشرة.
موقف حذر من العملات الخاصة
لنبدأ أولاً بالجانب المتحفظ من هذه المعادلة الدقيقة. فقد اتخذت السعودية موقفاً حذراً وصارماً تجاه العملات المشفرة الخاصة على وجه التحديد، حيث لا يُسمح للأفراد أو الشركات بممارسة مثل هذه الأنشطة دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المختصة في الدولة.
ومن المهم جداً هنا توضيح نقطة جوهرية قد تسبب بعض اللبس لدى الكثيرين. إن هذا الحذر لا يعني رفضاً كاملاً لفكرة المال الرقمي في حد ذاتها، بل ينصب تحديداً على العملات الخاصة اللامركزية التي تخرج تماماً عن نطاق سيطرة السلطات النقدية الرسمية في البلاد.
إطار تنظيمي جديد
ولم تكتفِ السلطات المعنية بمجرد إعلان موقفها من هذه المسألة، بل عملت على تنظيم هذا القطاع الحيوي بشكل عملي وملموس. فقد أصدر البنك المركزي السعودي إطاراً تنظيمياً خاصاً بالأصول الرقمية، يحدد بوضوح فئات التراخيص المختلفة والمتطلبات الرأسمالية والمعايير التشغيلية اللازمة.
إن الهدف الأساسي من وراء وضع هذا الإطار التنظيمي يبدو واضحاً تماماً للجميع. فهو يسعى إلى إحاطة أي نشاط يقع ضمن اختصاص البنك المركزي بسياج متين من القواعد والضوابط الصارمة، بما يضمن حماية المتعاملين ويحافظ على استقرار النظام المالي في المملكة ككل.
الريال الرقمي يقترب

أما الجانب الأكثر طموحاً في هذه الرؤية الشاملة، فيتمثل بوضوح في مشروع العملة الرقمية للبنك المركزي، أو ما بات يُعرف باسم الريال الرقمي. وعلى عكس العملات المشفرة اللامركزية تماماً، فإن هذه العملة الجديدة ستصدر وتُدار بالكامل تحت إشراف الدولة وضمانها المباشر.
ولم تبدأ هذه الرحلة الطموحة اليوم، بل تعود جذورها الحقيقية إلى عدة سنوات مضت. فقد انطلقت أولى الخطوات الجادة مع مشروع عابر بين عامي 2019 و2020، وهو مشروع تجريبي مشترك مع دولة الإمارات العربية المتحدة لاختبار العملات الرقمية على مستوى المؤسسات المالية الكبرى.
ثم توسعت هذه الجهود المتواصلة لتأخذ بعداً دولياً أكبر وأشمل. ففي شهر يونيو من عام 2024، انضمت المملكة كعضو كامل العضوية إلى مشروع دولي بارز يهدف إلى تمكين التسويات المالية العابرة للحدود بقيمة حقيقية، وذلك بالتعاون مع بنك التسويات الدولية وعدد من الدول الأخرى.
خطوة نحو المستقبل
وبحسب التوقعات المتداولة حالياً، فإن المرحلة القادمة قد تشهد تطوراً ملموساً على أرض الواقع. إذ من المحتمل جداً أن تنطلق مرحلة تجريبية للاستخدام المحلي للريال الرقمي في أواخر عام 2026 أو مطلع عام 2027، لتقترب هذه الفكرة الطموحة أكثر فأكثر من حياة الناس اليومية.
لكن من المهم للغاية إدارة التوقعات بواقعية كبيرة في هذا الشأن الحساس. فهذه العملة الرقمية الجديدة لن تحل محل النقود التقليدية بين عشية وضحاها، بل ستبدأ أولاً برقمنة التسويات بين البنوك، على أن تتيح لاحقاً للمواطنين إمكانية امتلاك عملة رقمية مدعومة بالكامل من الدولة.
وفي نهاية المطاف، تبدو الصورة العامة للمشهد السعودي متماسكة ومدروسة بعناية فائقة. فبين الحذر الواضح من العملات الخاصة والاندفاع المدروس نحو الريال الرقمي، ترسم المملكة لنفسها مساراً فريداً، تسعى من خلاله إلى جني ثمار الثورة الرقمية مع الاحتفاظ بزمام السيطرة الكاملة.






