ليلى حدادVIEW PROFILE →
طوفان العملات المستقرة: كيف يفتح قانون جينيوس الأمريكي الباب أمام البنوك وسوق التريليون دولار
بينما تراجع سوق العملات المشفّرة، قفزت العملات المستقرة إلى مستوى قياسي يقارب 316 مليار دولار. مع قانون جينيوس ودخول البنوك الكبرى، تتوقّع التقديرات تجاوز حاجز التريليون قبل نهاية 2026.
الرابح الهادئ في سوق متقلب
في عالم العملات المشفّرة المعروف بتقلّباته الحادّة، برز في عام 2026 رابح هادئ لكنه بالغ الأهمية، وهو فئة العملات المستقرة. فبينما فقد سوق العملات المشفّرة الأوسع أكثر من عشرين بالمئة من قيمته في مطلع العام، واصلت العملات المستقرة صعودها اللافت لتسجّل مستوى قياسياً جديداً تماماً.
هذه العملات، التي ترتبط قيمتها عادةً بعملة مستقرة مثل الدولار الأمريكي، لم تعد مجرد أداة جانبية في هذا السوق الواسع. لقد تحوّلت إلى العمود الفقري الحقيقي للاقتصاد الرقمي، إذ تُستخدم في المدفوعات والتحويلات وكجسر آمن بين المال التقليدي وعالم البلوكتشين سريع التغيّر.
أرقام تعكس حجم الطفرة

تعكس الأرقام المتاحة بوضوح حجم هذه الطفرة اللافتة للأنظار. فقد بلغت القيمة السوقية الإجمالية للعملات المستقرة نحو 316 مليار دولار بحلول يونيو 2026، وهو رقم قياسي تحقّق رغم الأجواء السلبية التي سادت بقية السوق في تلك الفترة، ما يبرز مكانتها الاستثنائية.
والأكثر إثارة من الرقم الحالي هو حجم النمو المتوقّع في المستقبل القريب جداً. إذ تتوقّع بعض شركات الأبحاث المتخصّصة أن يتجاوز حجم سوق العملات المستقرة حاجز التريليون دولار قبل نهاية عام 2026، أي أكثر من ثلاثة أضعاف حجمه الحالي في غضون أشهر قليلة فقط.
يعود جزء كبير من هذا النمو المتوقّع إلى عامل جديد وحاسم للغاية، وهو الدخول المرتقب للبنوك التقليدية الكبرى إلى هذا المجال. فبعد سنوات طويلة من الحذر والتردّد، باتت المؤسسات المالية العريقة ترى في العملات المستقرة فرصة حقيقية لا يمكن تجاهلها بأي حال بعد الآن.
قانون جينيوس يغيّر قواعد اللعبة
المحرّك الأساسي وراء هذا التحوّل الكبير هو قانون أمريكي جديد يُعرف باسم قانون جينيوس، الذي تمّ التوقيع عليه في الثامن عشر من يوليو 2025. فقد منح هذا القانون المؤسسات الأمريكية أخيراً اليقين القانوني الذي طال انتظاره فيما يتعلّق بإصدار هذه العملات وبالاحتياطيات الداعمة لها.
يفرض القانون شروطاً واضحة وصارمة على جميع المُصدرين. فهو يشترط وجود احتياطي كامل بنسبة دولار مقابل كل دولار مُصدَر، ويقصر عملية الإصدار على الكيانات المرخّصة فقط، وهو ما يهدف في جوهره إلى حماية المستخدمين وضمان استقرار هذه العملات في الأوقات الصعبة.
والأهمّ من ذلك كله، أنّ القانون أخرج العملات المستقرة المتوافقة معه من التعريفات الفيدرالية للأوراق المالية والسلع. هذا التحوّل القضائي المهمّ يُبعد فعلياً هيئة الأوراق المالية عن الصورة، ويضع الجهات الرقابية المصرفية في موقع المسؤول الأول عن الإشراف على هذا القطاع المتنامي.
البنوك الكبرى تدخل الميدان
استجابةً لهذا الوضوح التنظيمي الجديد، بدأت بنوك عملاقة مثل جي بي مورغان وبنك أوف أمريكا تتحرّك بجدية نحو إصدار عملاتها المستقرة الخاصة. ويتوقّع السوق أن تُقدَّم عدة طلبات رسمية في وقت لاحق من عام 2026، في إشارة واضحة إلى جدية هذا التوجّه.
بل إنّ بعض هذه البنوك سبق غيرها في هذا المضمار. فبنك جي بي مورغان، على سبيل المثال، يشغّل رموز الودائع عبر منصته الخاصة المعروفة باسم كينيكسيس منذ يونيو 2025، ووسّع خدماته لتشمل المدفوعات الفعلية للعملاء المؤسسيين في مطلع عام 2026.
ومع ذلك، يبقى السوق مركّزاً إلى حدّ كبير في أيدي لاعبين اثنين. إذ تسيطر شركتا تيذر وسيركل معاً على نحو 83 بالمئة من السوق، بينما يواجه العدد الكبير من المُصدرين الأصغر خيارات صعبة، إما الاستحواذ عليهم أو الخروج أو الفشل في مواكبة المتطلّبات الجديدة.
ماذا يعني ذلك للمستقبل
بالنسبة لمنطقة الخليج والسعودية على وجه الخصوص، فإنّ هذا التحوّل العالمي يحمل دلالات مهمّة للغاية. فمع تسارع خطى دول المنطقة نحو الاقتصاد الرقمي، يصبح فهم الإطار التنظيمي العالمي للعملات المستقرة أمراً أساسياً لأي استراتيجية مالية طموحة في المرحلة المقبلة.
لكن هذا النمو السريع لا يخلو من المخاطر التي يجب الانتباه إليها. فتركّز السوق في أيدي جهتين رئيسيتين يثير تساؤلات حول المنافسة، كما أنّ دخول البنوك يفرض تحدّيات جديدة تتعلّق بمكافحة غسل الأموال وبضمان استقرار النظام المالي في مجمله.
في نهاية المطاف، يمثّل صعود العملات المستقرة المنظّمة لحظة مفصلية في تاريخ المال الرقمي. فبعد سنوات من العيش على هامش النظام المالي، تنتقل هذه العملات الآن إلى قلبه تماماً، مدفوعةً بقوانين واضحة وبثقة مؤسسات كانت حتى الأمس القريب تنظر إليها بعين الريبة.






