ليلى حدادVIEW PROFILE →
الرمزنة قبل العملات: كيف تبني السعودية اقتصادها الرقمي من الأصول الحقيقية لا من البيتكوين
بينما تبقى الرياض حذرة تجاه تداول البيتكوين للأفراد، فإنها تتحرك بثبات في اتجاه آخر: رمزنة العقارات والطاقة، وريال رقمي، وعملات مستقرة منظّمة. إنها رؤية للبلوكتشين من الأعلى إلى الأسفل.
حين يدور الحديث عن العملات المشفّرة في الشرق الأوسط، تتّجه الأنظار غالباً إلى دبي بوصفها المركز المنفتح على البيتكوين والمنصّات العالمية. أما السعودية، فتسير على مسار مختلف تماماً، أكثر هدوءاً وأشدّ إحكاماً: فبدلاً من احتضان تداول العملات المشفّرة للأفراد، تبني المملكة اقتصادها الرقمي من الأعلى إلى الأسفل، عبر الدولة ومؤسّساتها المالية.
الموقف الرسمي واضح في تحفّظه. فلا مؤسسة النقد (البنك المركزي السعودي) ولا هيئة السوق المالية أصدرتا إطاراً يعترف مباشرة بعملات مثل البيتكوين أو الإيثيريوم أو يشجّع على تداولها. لكن هذا التحفّظ لا يعني الجمود؛ بل يخفي وراءه استراتيجية رقمية طموحة تتحرّك في اتجاه محسوب بعناية.
الرمزنة: تحويل الأصول الحقيقية إلى رموز
جوهر الرؤية السعودية ليس العملة المشفّرة المضاربية، بل ما يُعرف بـ'رمزنة الأصول الحقيقية'. الفكرة أن يُحوَّل أصل ملموس، كعقار أو مشروع طاقة، إلى رموز رقمية على شبكة بلوكتشين، بحيث يمكن تجزئته وتداوله ونقل ملكيته بسرعة وشفافية لم تكن ممكنة في الأنظمة التقليدية.
في هذا الإطار، يتحرّك صندوق الاستثمارات العامة نحو استراتيجية للرمزنة تستهدف تحويل أصول بمليارات الدولارات إلى صيغة رقمية بحلول عام 2030، إلى جانب مبادرات لإنشاء مراكز متخصّصة في رمزنة الأصول الحقيقية. الأهم أن هناك خطوات لتسوية صفقات عقارية باستخدام عملات مستقرة، وهو ما ينقل الفكرة من النظرية إلى التطبيق الفعلي.
منطق هذا التوجّه اقتصادي بحت. فالمملكة تملك أصولاً ضخمة في العقارات والطاقة والبنية التحتية، ورمزنتها تعني جذب سيولة عالمية جديدة، وفتح باب الاستثمار أمام شرائح أوسع، وربط رؤية 2030 بأدوات مالية حديثة، دون الحاجة إلى المخاطرة التي ترافق العملات المشفّرة المفتوحة.
الريال الرقمي وجسور العملات

الركيزة الثانية هي العملة الرقمية للبنك المركزي. فمؤسسة النقد تختبر منذ فترة نموذجاً داخلياً لعملة رقمية، مع احتمال إطلاق مرحلة تجريبية للاستخدام المحلي في أواخر 2026 أو مطلع 2027. في صيغتها الأولى ستركّز هذه العملة على رقمنة التسويات بين البنوك، مع إمكانية أن تتيح لاحقاً للأفراد الاحتفاظ بريال رقمي مدعوم من الدولة.
ولا يقف الطموح عند الحدود الوطنية. فقد انضمّت السعودية إلى مشروع 'إم-بريدج' الذي يقوده بنك التسويات الدولية، وهو نظام يجمع عدّة عملات رقمية لبنوك مركزية بهدف تسريع المدفوعات العابرة للحدود وخفض كلفتها. بالنسبة لاقتصاد قائم على تصدير الطاقة، تُعدّ التسويات الدولية السريعة والرخيصة ميزة استراتيجية لا تُقدَّر بثمن.
عملات مستقرة تحت رقابة الدولة
العنصر الثالث هو العملات المستقرة المنظّمة. فالمملكة تدرس إطاراً وطنياً لعملات مستقرة تحت إشراف مشترك من مؤسسة النقد وهيئة السوق المالية، بما يخدم تحديث المدفوعات ودعم المعاملات العابرة للحدود وجذب الاستثمار. وحتى منتصف 2026 لم يُنشر بعد كتاب القواعد الخاص بها، إذ لا يزال الإطار في مرحلة تصميم السياسات.
الفارق الجوهري هنا أنّ هذه العملات المستقرة ستكون خاضعة لرقابة صارمة ومربوطة بأصول حقيقية، على عكس العملات المشفّرة المتقلّبة. إنها محاولة للحصول على مزايا البلوكتشين، من سرعة وشفافية وقابلية للبرمجة، مع الاحتفاظ بالسيطرة التنظيمية التي تصرّ عليها الدولة.
حذر تجاه المضاربة
هذا لا يعني أن المملكة بعيدة تماماً عن عالم البيتكوين. فقد كشفت بيانات عن حصّة صغيرة اقتنتها مؤسسة النقد في شركة 'ستراتيجي' الأمريكية المعروفة بحيازتها الضخمة من البيتكوين، ما منحها انكشافاً غير مباشر ورمزياً على العملة الأشهر. لكن يجب قراءة الخطوة بحجمها الحقيقي: إنها استثمار محدود ومدروس، لا تبنٍّ رسمي للبيتكوين.
في المقابل، تواصل الجهات الرقابية تحذير الأفراد من مخاطر المضاربة في الأصول المشفّرة غير المنظّمة، في رسالة مزدوجة واضحة: الباب مفتوح أمام البلوكتشين المؤسسي المنضبط، لكنه موصد نسبياً أمام فوضى السوق المفتوحة.
بهذا تكتب السعودية نسختها الخاصة من الثورة الرقمية المالية: ثورة لا تبدأ من محفظة فرد يضارب على عملة متقلّبة، بل من الدولة التي ترمّز أصولها وتبني ريالها الرقمي وتربط نفسها بشبكات التسوية العالمية. إنها مقامرة على أنّ مستقبل المال الرقمي سيُبنى بالمؤسسات والقواعد، لا بالمضاربة والفوضى، وأنّ من يضع البنية التحتية اليوم سيملك أدوات الغد.






