ليلى حدادVIEW PROFILE →
صناديق الخليج السيادية تدخل عالم البيتكوين: استثمار مؤسسي هادئ لكنه ضخم
بينما تركز دول الخليج على العملات الرقمية للبنوك المركزية والترميز، تكشف بيانات صندوق مبادلة عن انكشاف مؤسسي متنامٍ على البيتكوين عبر صناديق المؤشرات المتداولة، في تحول لافت لخريطة الثروة الإقليمية.
في الوقت الذي ينصبّ فيه اهتمام دول الخليج على العملات الرقمية للبنوك المركزية وترميز الأصول العقارية والتمويل الإسلامي المتوافق مع الشريعة، يجري تحول أعمق وأكثر هدوءاً في كواليس المشهد المالي. فالصناديق السيادية العملاقة في المنطقة بدأت تبني انكشافاً حقيقياً على البيتكوين، لكن بطريقة مؤسسية ومدروسة بعيدة عن صخب المضاربة.
هذا التوجه يمثل نضجاً واضحاً في تعامل رؤوس الأموال الكبرى مع الأصول الرقمية. فبدلاً من المضاربة المباشرة والمحفوفة بالمخاطر، تختار هذه الصناديق أدوات استثمارية منظمة وخاضعة للرقابة، مما يعكس ثقة متنامية في البيتكوين كفئة أصول شرعية تستحق مكاناً في محافظها الاستراتيجية طويلة الأجل.
مبادلة نموذجاً للانكشاف المؤسسي

المثال الأبرز على هذا التحول يأتي من صندوق مبادلة الإماراتي، أحد أكبر الصناديق السيادية في المنطقة. فقد كشفت إفصاحاته المالية عن حجم رهانه على العملة الرقمية الأشهر في العالم، في خطوة تعكس استراتيجية استثمارية جريئة وواعية في آن واحد.
ووفقاً للبيانات، فإن صندوق آي بيت التابع لشركة بلاك روك، وهو صندوق مؤشرات متداول للبيتكوين الفوري، يمثل ثاني أكبر مركز استثماري يمكن الإفصاح عنه لدى مبادلة. ولا يسبقه في الحجم سوى حصته البالغة 19.3 مليار دولار في شركة غلوبال فاوندريز لصناعة الرقائق.
هذا الترتيب في حد ذاته ذو دلالة عميقة، إذ يضع البيتكوين في مصاف كبرى استثمارات الصندوق التقليدية. فاختيار الاستثمار عبر صندوق مؤشرات منظم بدلاً من الاقتناء المباشر يوفر للصندوق السيادي حوكمة وأماناً وسيولة، وهي عوامل حاسمة بالنسبة لأي جهة استثمارية بهذا الحجم.
قوة صندوق الاستثمارات العامة
لا يمكن فهم هذا التوجه بمعزل عن الحجم الهائل للثروة السيادية في المنطقة، وعلى رأسها صندوق الاستثمارات العامة السعودي. فقد ضاعف الصندوق قاعدة أصوله أربع مرات منذ عام 2019 لتصل إلى نحو 925 مليار دولار بنهاية عام 2025، مع التزام بهدف طموح يبلغ تريليوني دولار بحلول عام 2030.
هذه الأرقام الفلكية تعني أن أي قرار استثماري تتخذه هذه الصناديق يمكن أن يحرك الأسواق العالمية. وعندما تبدأ كيانات بهذا الثقل في تخصيص ولو نسبة ضئيلة من محافظها للأصول الرقمية، فإن التأثير التراكمي على سوق البيتكوين والطلب عليه قد يكون كبيراً للغاية.
وتتسابق الصناديق السيادية الخليجية والآسيوية أيضاً لتمويل مراكز البيانات الضخمة ومنشآت تصنيع الرقائق وقدرات الحوسبة للذكاء الاصطناعي. وقد التزمت هذه الصناديق بنحو 120 مليار دولار خلال عامي 2025 و2026 لهذه البنى التحتية التكنولوجية الحيوية والمترابطة.
رؤية تتجاوز النفط
يندرج الانفتاح على الأصول الرقمية ضمن استراتيجية أوسع لتنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط. فالسعودية تقوم بأكبر استثمار سيادي في تاريخ الذكاء الاصطناعي، إذ تراهن بمبلغ 100 مليار دولار على المعالجات والرقائق بدلاً من الاعتماد الحصري على البترول.
ويتجلى ذلك في مشاريع عملاقة مثل شركة هيومين المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة، التي تخطط لبناء قدرة لمراكز البيانات تصل إلى ستة غيغاواط بحلول عام 2034. وتتعاون في ذلك مع كبرى الشركات العالمية مثل إنفيديا وإيه إم دي وكوالكوم وسيسكو.
هذا التقاطع بين الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والانكشاف على العملات المشفرة ليس صدفة، بل هو جزء من رؤية متكاملة. فالمنطقة تسعى لأن تكون لاعباً محورياً في اقتصاد المستقبل الرقمي، سواء من خلال امتلاك التكنولوجيا أو من خلال الاستثمار في الأصول التي تنتجها.
في نهاية المطاف، يرسم دخول الصناديق السيادية الخليجية إلى عالم البيتكوين ملامح مرحلة جديدة من نضج السوق. فحين تضع كيانات محافظة وطويلة النظر ثقلها خلف هذه الأصول، تكتسب العملات الرقمية شرعية مؤسسية قد تعيد تشكيل خريطة الثروة والاستثمار في المنطقة والعالم لسنوات مقبلة.






