ليلى حدادVIEW PROFILE →
تراجع التمويل اللامركزي: لماذا فقدت هذه المشاريع زخمها في عام 2026؟
انخفضت القيمة الإجمالية المقفلة في مشاريع التمويل اللامركزي من نحو 115 إلى 70 مليار دولار في 2026. نستعرض أسباب هذا التراجع، من ضعف العوائد إلى موجة الاختراقات، وماذا يعني ذلك للمستثمرين.
شهدت السنوات الأخيرة حماساً كبيراً حول ما يُعرف بالتمويل اللامركزي، ذلك القطاع الذي وعد بإعادة تشكيل عالم المال بعيداً عن البنوك والوسطاء التقليديين. غير أن عام 2026 حمل معه صورة مختلفة تماماً، إذ بدأت هذه المشاريع تفقد جزءاً كبيراً من زخمها الذي اكتسبته في السنوات السابقة.
في هذا المقال، نلقي نظرة هادئة ومتأنية على ما يحدث فعلاً في هذا القطاع بعيداً عن الضجيج. سنحاول أن نفهم حجم التراجع الذي شهده، والأسباب الكامنة وراءه، وما إذا كان هذا مجرد تباطؤ مؤقت أم مؤشر على تحول أعمق في هذا الركن من عالم العملات الرقمية.
ما هو التمويل اللامركزي؟
قبل الخوض في الأرقام، من المفيد أن نتذكر ما يعنيه هذا المصطلح من الأساس. التمويل اللامركزي هو منظومة من التطبيقات المبنية على تقنية البلوك تشين، تتيح للمستخدمين الإقراض والاقتراض وتحقيق العوائد على أموالهم الرقمية من دون الحاجة إلى بنك أو مؤسسة مالية وسيطة تدير العملية بالكامل.
ولقياس حجم هذا القطاع، يعتمد المتابعون عادةً على مؤشر يُسمى القيمة الإجمالية المقفلة. هذا المؤشر يعكس مجموع الأموال التي أودعها المستخدمون داخل هذه التطبيقات، وكلما ارتفع دلّ ذلك على ثقة أكبر وإقبال أوسع، والعكس صحيح تماماً في أوقات التراجع والانكماش.
أرقام التراجع

وهنا تحديداً تكمن القصة الحقيقية لهذا العام. فوفقاً للبيانات المتاحة، انخفضت القيمة الإجمالية المقفلة في مشاريع التمويل اللامركزي من نحو 115 مليار دولار في بداية العام إلى ما يقارب 70 مليار دولار، وهو تراجع كبير يصعب تجاهله أو التقليل من شأنه بأي حال.
وإذا ترجمنا هذا الانخفاض إلى نسبة مئوية، تصبح الصورة أكثر وضوحاً وقسوة. فبحسب التقارير، فقد هذا القطاع نحو 39 بالمئة من قيمته خلال عام 2026 وحده، وهو رقم يعكس مدى سرعة خروج الأموال من هذه المنظومة التي كانت حتى وقت قريب تعجّ بالنشاط والحماس.
ما أسباب هذا الانكماش؟
لا يوجد سبب واحد يفسّر هذا التراجع، بل مجموعة من العوامل المتشابكة والمترابطة. فبحسب ما ورد، كان ضعف أسعار العملات الرقمية عموماً أحد أبرز هذه الأسباب، إذ إن انخفاض قيمة الأصول المودعة ينعكس بشكل مباشر على القيمة الإجمالية المقفلة داخل هذه التطبيقات.
إلى جانب ذلك، هناك عاملان آخران لعبا دوراً مهماً في المشهد. فوفقاً للتقارير، تقلّصت العوائد التي كانت تجذب المستثمرين، كما حدث ما يشبه العزوف عن المخاطرة، حيث سحب كثيرون أموالهم من الاستراتيجيات عالية المخاطر بحثاً عن خيارات أكثر أماناً واستقراراً.
شبح الاختراقات الأمنية
لم تكن العوامل الاقتصادية وحدها هي التي أضرّت بالقطاع، بل كان للأمن الرقمي نصيب كبير أيضاً في ذلك. فبحسب البيانات المتاحة، شهد هذا العام وقوع 121 عملية اختراق، أسفرت مجتمعةً عن خسائر بلغت نحو 942 مليون دولار، وهو رقم مقلق يهزّ ثقة المستخدمين في هذه المنظومة.
وتظل مسألة الأمان واحدة من أكبر التحديات التي تواجه التمويل اللامركزي حتى يومنا هذا. فكل عملية اختراق جديدة لا تعني فقط خسائر مالية مباشرة لأصحابها، بل تلحق ضرراً أوسع بسمعة القطاع بأكمله، وتدفع بعض المستثمرين إلى الابتعاد عنه بحذر شديد.
من صمد ومن تراجع؟
رغم هذا المشهد العام القاتم، لم تكن جميع المشاريع في الوضع نفسه تماماً. فبحسب التقارير، ومن بين أكبر الشبكات في هذا المجال، تمكنت شبكتان فقط، هما ترون وهايبرليكويد، من تحقيق نمو فعلي، بينما تراجعت الغالبية العظمى من الشبكات الأخرى بشكل ملحوظ.
وهذا التباين اللافت يحمل في طياته دلالة مهمة تستحق التوقف عندها. فحتى في أوقات التراجع العام، يبقى هناك دائماً لاعبون قادرون على جذب المستخدمين ورؤوس الأموال، وهو ما يشير إلى أن المنافسة داخل القطاع لا تزال قائمة، وأن الفرص لم تختفِ بالكامل رغم كل شيء.
ماذا يعني هذا للمستثمرين؟
بالنسبة للمستثمرين، وخصوصاً هنا في منطقة الخليج حيث يتزايد الاهتمام بهذا المجال، تحمل هذه الأرقام درساً مهماً للغاية. فالتمويل اللامركزي يظل قطاعاً واعداً لكنه شديد التقلب، والعوائد المرتفعة التي يعد بها كثيراً ما تأتي مصحوبة بمخاطر لا يصح تجاهلها أبداً.
خلاصة
في نهاية المطاف، لا يعني تراجع هذا العام بالضرورة نهاية التمويل اللامركزي، فقد اعتاد عالم العملات الرقمية على مثل هذه الدورات المتكررة من الصعود والهبوط. لكن ما حدث في عام 2026 يذكّرنا بأهمية التعامل مع هذا القطاع بعقلانية وحذر، بعيداً عن الحماس المفرط والوعود البراقة.






