ليلى حدادVIEW PROFILE →
الريال الرقمي ومشروع mBridge: كيف تبني السعودية بنية تحتية للمدفوعات العابرة للحدود
انضم البنك المركزي السعودي (ساما) إلى منصة mBridge للعملات الرقمية بالجملة عام 2024. الريال الرقمي، الذي تطور عبر مشروع عابر، يهيّئ السعودية لتسويات فورية عبر الحدود. إليك حقيقة المشروع ومستقبله.
يتركز النقاش حول العملات الرقمية في السعودية غالباً على ترميز الأصول العقارية، والعملات المستقرة، وتنظيم القطاع، ومشاريع مدينة نيوم المستقبلية. غير أن هناك مساراً أكثر هدوءاً لكنه بالغ الأهمية، يتعلق بالبنية التحتية العميقة للمدفوعات نفسها، وتحديداً بجهود المملكة في مجال العملة الرقمية للبنك المركزي والتسويات العابرة للحدود.
هذا المسار لا يتعلق بالمضاربة أو بأسعار العملات المتقلبة، بل ببناء أنابيب مالية جديدة يمكن أن تعيد تشكيل طريقة انتقال الأموال بين الدول. وفي قلب هذا الجهد يقف مشروعان مترابطان، هما الريال الرقمي بالجملة ومنصة mBridge الدولية التي انضمت إليها المملكة.
انضمام ساما إلى المنصة
الخطوة المحورية في هذا المسار جاءت عندما انضم البنك المركزي السعودي، المعروف باسم ساما، إلى مشروع mBridge التابع لبنك التسويات الدولية. وقد جرى هذا الانضمام كمشارك كامل في منصة المنتج القابل للتطبيق، أي النسخة الأولية الجاهزة للاستخدام، في يونيو من عام 2024.
لم يكن هذا مجرد إجراء رمزي أو تجربة محدودة، بل خطوة استراتيجية تضع المملكة داخل شبكة دولية ناشئة للعملات الرقمية. فالانضمام كمشارك كامل يعني أن ساما أصبح جزءاً فاعلاً في تطوير واختبار نظام قد يصبح مستقبلاً أحد الأعمدة الأساسية للمدفوعات بين الدول.
ما هو مشروع mBridge

لفهم أهمية هذه الخطوة، لا بد من توضيح طبيعة المنصة نفسها. إن mBridge هو نظام متعدد البنوك المركزية يقوم على العملات الرقمية بالجملة، ويهدف إلى تسهيل المدفوعات العابرة للحدود بين البنوك التجارية العاملة في ولايات قضائية مختلفة، بعيداً عن الأنظمة التقليدية البطيئة والمكلفة.
وقد أطلق أعضاء المشروع في الخامس من يونيو نسخة المنتج القابل للتطبيق منه، وهي نموذج أولي مصمم لتمكين المدفوعات الفورية بالجملة عبر الحدود. ويُعد هذا الإنجاز لافتاً، إذ يعتبر أول منصة متعددة العملات الرقمية للبنوك المركزية بالجملة تصل إلى هذه المرحلة المتقدمة من التطوير.
الفكرة الجوهرية هنا هي استبدال سلسلة الوسطاء المعقدة التي تبطئ التحويلات الدولية اليوم بنظام مباشر تتحرك فيه الأموال بين البنوك المركزية والتجارية شبه فورياً. وهذا من شأنه خفض التكاليف والوقت بشكل كبير، وهو ما يحمل أهمية خاصة لاقتصاد منفتح على التجارة مثل الاقتصاد السعودي.
الريال الرقمي من عابر إلى mBridge
أما الريال الرقمي فله قصة تطور خاصة به. فهو عملة رقمية للبنك المركزي من النوع بالجملة، جرى تطويرها في الأصل عبر مشروع عابر بالتعاون مع دولة الإمارات، ثم جرى دمجها لاحقاً في منصة mBridge التي يقودها بنك التسويات الدولية، لتصبح جزءاً من شبكة أوسع.
الهدف من هذا الدمج هو تهيئة قنوات الدفع السعودية للتسوية شبه الفورية عبر الحدود. ولا يزال الريال الرقمي في مرحلة التجربة، مع تركيز واضح على الاستخدامات بالجملة، أي التسويات بين البنوك والتحويلات الدولية، وليس على الاستخدام اليومي من قبل الأفراد والمستهلكين.
ومن حيث الحجم، تشير البيانات إلى أن منصة mBridge قد عالجت ما يقارب 55.5 مليار دولار عبر أكثر من أربعة آلاف معاملة عابرة للحدود، بعد أن انضمت إليها ساما كمشارك كامل في عام 2024. هذه الأرقام تعكس أن المشروع تجاوز مرحلة الفكرة إلى الاستخدام العملي الفعلي.
ماذا عن المستقبل
رغم هذا التقدم، تبقى الخطوة الأكبر نحو الاستخدام العام مؤجلة. فمن المرجح أن يُتخذ قرار سياسي بشأن الطرح الأوسع بعد عام 2026، وذلك عقب مراجعة كاملة للتكاليف والفوائد، وإجراء استشارة عامة حول ضمانات حماية البيانات، وهي مسألة حساسة في أي نظام دفع رقمي.
لذلك، فإن الريال الرقمي ليس متاحاً بعد للاستخدام بالتجزئة من قبل الجمهور، ولم يُعلن عن أي موعد نهائي محدد لإطلاقه. غير أن اتجاه المسار واضح، إذ تبني المملكة بهدوء أساساً تقنياً قد يجعلها لاعباً محورياً في مستقبل المدفوعات الدولية ضمن رؤيتها الاقتصادية الطموحة.






